المختصر Excerpt:
كيف تحوّل المملكة العربية السعودية الإنفاق الوطني إلى قوة دافعة للتنمية؟ تفاصيل استراتيجية المحتوى المحلي، آليات قياسه، وكيف أصبح الأداة الرئيسية لبناء اقتصاد منتج ومستدام.
لم يعد المحتوى المحلي في المملكة العربية السعودية مجرد سياسة تفضيل للمنتج الوطني، بل تحوّل إلى ركيزة استراتيجية محورية في صميم برامج تحقيق رؤية السعودية 2030. ففي ظل التوجه العالمي نحو بناء اقتصادات أكثر مرونة وأقل اعتماداً على سلاسل الإمداد الخارجية، أصبح الهدف الأسمى هو إعادة توجيه جزء كبير من الإنفاق الحكومي والخاص نحو الاستثمار في القدرات والكوادر والأصول المنتجة داخل المملكة.
تتناول هذه المقالة المحتوى المحلي كآلية اقتصادية متكاملة تهدف إلى تعميق القيمة المضافة الوطنية. سنستعرض التعريف الشامل للمحتوى المحلي الذي يتجاوز مفهوم السلع ليشمل الأيدي العاملة، والتقنيات، والخدمات الوطنية؛ ونحلل الأبعاد الاستراتيجية التي جعلته أولوية وطنية، خصوصاً في مسار تنويع الاقتصاد ورفع مساهمة القطاع الخاص. كما تستكشف المقالة الأطر التنظيمية التي وضعتها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية لتفعيل هذه السياسة، وتسلط الضوء على دور المشتريات الحكومية والشركات الكبرى كقوة دفع رئيسية. وأخيراً، سنناقش التحديات التي تواجه عملية التوطين، ونستعرض قصص النجاح الملهمة، ونقدم توصيات عملية لتعزيز الاستدامة في هذا المسار التنموي الطموح.
تعريف المحتوى المحلي في السعودية
يُعرَّف المحتوى المحلي وطنيًا بأنه إجمالي ما يُنفق داخل المملكة على الأيدي العاملة السعودية، والمنتجات والخدمات الوطنية، والأصول الإنتاجية، والتقنيات المطورة أو المستخدمة محليًا. جوهر الفكرة هو الإبقاء على أكبر قدر ممكن من الأموال المتداولة في الاقتصاد السعودي بدل تسربها إلى الخارج عبر الاستيراد أو التعاقد مع موردين أجانب.
من زاوية اجتماعية، يعكس المحتوى المحلي حجم مشاركة الموارد البشرية والموهبة الوطنية في النشاط الاقتصادي، مما يدعم الاستقرار الوظيفي، ورفع الدخل، وتعزيز شعور الانتماء والقدرة على الإسهام في التنمية. كما يترجم عمليًا إلى زيادة الفرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوطنية، وتوسيع قاعدة رواد الأعمال في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
العلاقة بالإنفاق داخل الدولة والموارد الوطنية
كل ريال تُنفقه جهة حكومية أو شركة كبرى أو حتى فرد داخل المملكة يمكن أن يذهب إما لمورد محلي أو لمورد أجنبي، والمحتوى المحلي يسعى لترجيح كفة المورد الوطني متى ما توافرت القدرة والجودة. لذلك تُستخدم أدوات مثل تفضيل المنتج الوطني في المنافسات، ووضع نسب مستهدفة للمحتوى المحلي في العقود الحكومية، لزيادة حصة الإنفاق الموجهة للعناصر السعودية.
هذا التوجيه في الإنفاق يرفع الطلب على السلع والخدمات المحلية، فيشجع الاستثمار في المصانع الوطنية، ونقل التقنية، وتوظيف وتدريب الكوادر السعودية على طول سلاسل الإمداد. ومع الوقت، يتكوّن لدى الاقتصاد قاعدة إنتاجية ومعرفية أعمق تجعل المملكة أقل عرضة لاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة محليًا.
الفرق بين المحتوى المحلي والمحتوى الأجنبي أو المستورد
المحتوى المحلي يعتمد على عناصر إنتاج سعودية: عمالة وطنية، مواد وخدمات منتجة داخل المملكة، أصول وتقنيات مطورة أو مملوكة محليًا، ويتم قياسه كنسبة من إجمالي تكلفة المنتج أو المشروع. أما المحتوى الأجنبي أو المستورد فيعتمد على مكونات وخدمات من خارج المملكة، ما يعني خروج جزء من الإنفاق الوطني إلى الاقتصادات الأخرى عبر الواردات والتحويلات.
من منظور السياسات، لا يعني دعم المحتوى المحلي إغلاق الباب أمام الاستيراد، بل تحقيق توازن يضمن الاستفادة من التقنيات العالمية مع بناء قدرة محلية تنافسية. لذلك تُشجَّع الشراكات التي تنقل التقنية وتوطّن سلاسل الإمداد بحيث يتحول المحتوى الأجنبي تدريجيًا إلى محتوى محلي عبر التصنيع المحلي وتدريب الكفاءات السعودية.
لماذا أصبح المحتوى المحلي أولوية استراتيجية في السعودية؟
رؤية السعودية 2030 وضعت رفع نسبة المحتوى المحلي كهدف استراتيجي لتعزيز اقتصاد مزدهر يعتمد بدرجة أكبر على الإنتاج المحلي والقطاع الخاص، وليس فقط على عوائد النفط. ولهذا أُنشئت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية لتقود وضع السياسات، وقياس نسب المحتوى المحلي، وربطها بالمنافسات الحكومية والبرامج التنموية.
ماهو تعريف شهادة المحتوى المحلي للشركات التقنية السعودية
أهمية المحتوى المحلي الاستراتيجية تظهر في عدة أبعاد رئيسية:
- تعزيز تنافسية الاقتصاد السعودي عالميًا عبر سلاسل إمداد وطنية قوية، ومنتجات وخدمات قادرة على التصدير.
- خفض الاعتماد على الواردات في السلع والخدمات الحساسة، ما يرفع مرونة الاقتصاد أمام الأزمات العالمية.
- خلق وظائف عالية القيمة للمواطنين، وبناء قاعدة صناعية وتقنية تدعم الاستدامة المالية على المدى الطويل.
بهذا يصبح المحتوى المحلي ليس مجرد مؤشر رقمي، بل أداة عملية لإعادة توجيه مسار التنمية بحيث تُستثمر الموارد والإنفاق في بناء قدرات سعودية مستدامة اقتصاديًا واجتماعيًا.
المحتوى المحلي أصبح رافعة أساسية لنمو الاقتصاد السعودي وتنويعه وتقوية مناعته أمام الأزمات الخارجية. كلما زادت نسبة العناصر الوطنية في السلع والخدمات والمشاريع، ارتفعت معها قدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة حقيقية داخل الدولة بدل تسربها للخارج.
أهمية المحتوى المحلي للاقتصاد السعودي
يرتبط المحتوى المحلي مباشرة برؤية السعودية 2030 التي تستهدف اقتصادًا متنوعًا يقل اعتماده على النفط ويرتكز على إنتاج حقيقي وخدمات ذات قيمة مضافة داخل المملكة. تتجسد أهميته في كونه أداة عملية لتحويل الإنفاق الحكومي والخاص إلى محرك لنمو القطاعات الوطنية، سواء في الصناعة أو الخدمات أو التقنية أو اللوجستيات.
كل ريال يُنفق لصالح مورد محلي يعني دورة اقتصادية أطول داخل البلاد؛ فالمورد يوظف عمالة وطنية، ويستثمر في توسيع نشاطه، ويشتري بدوره من موردين محليين آخرين، ما يخلق أثرًا مضاعفًا على الدخل والناتج المحلي. بهذا يتحول المحتوى المحلي من مجرد نسبة رقمية في العقود إلى آلية حقيقية لزيادة القيمة المضافة وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
كما يسهم تعزيز المحتوى المحلي في بناء قاعدة صناعية وتقنية ومعرفية وطنية، من خلال انتقال الشركات من مجرد الاستيراد وإعادة البيع إلى التصنيع المحلي، وتجميع المعدات، وتطوير البرمجيات والحلول الرقمية داخل المملكة. هذا التحول يدعم الاستدامة المالية للدولة، لأنه يرفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج ويقلل حساسية المالية العامة لتقلبات أسعار النفط.
دور المحتوى المحلي في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف
المحتوى المحلي هو أحد أهم الأدوات العملية لتنويع الاقتصاد، لأنه يفرض سؤالًا جوهريًا في كل مشروع أو عقد: ما الذي يمكن إنتاجه أو تقديمه محليًا بدل استيراده؟ عندما تُصمَّم العقود الحكومية والشراكات الكبرى بنسب مستهدفة للمحتوى المحلي، تُفتح أمام القطاع الخاص فرص جديدة في قطاعات الصناعة، والخدمات الهندسية، والتقنية، وسلاسل الإمداد.
هذا التوسع في الفرص يخلق طلبًا على منشآت صغيرة ومتوسطة وطنية قادرة على سد فجوات سلاسل التوريد، مثل قطع الغيار، والخدمات الفنية، والخدمات اللوجستية، وحلول التقنية. ومع توسع هذه المنشآت في الإنتاج والخدمات، يرتفع الطلب على العمالة الوطنية في تخصصات متنوعة: هندسية، وفنية، وتقنية، وإدارية، مما يساهم في خفض البطالة ورفع جودة الوظائف.
إضافة إلى خلق الوظائف، يدفع المحتوى المحلي المنشآت إلى الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر السعودية؛ إذ تصبح قوة العمل الوطنية جزءًا من متطلبات تحقيق نسب المحتوى المحلي وليس مجرد خيار. هذا يرفع المستوى المهاري للكوادر، ويزيد إنتاجيتها، ويضع أساسًا لرأس مال بشري قادر على المنافسة إقليميًا وعالميًا، وليس فقط محليًا.
خالد الربيش: المحتوى المحلي له دور محوري في تنويع اقتصاد السعودية
زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي
عندما تزداد نسبة المكونات والخدمات المنتجة محليًا في المشاريع الحكومية والخاصة، يتم نقل جزء كبير من القيمة المضافة إلى داخل الاقتصاد بدل أن تذهب لموردين خارجيين. هذا ينعكس مباشرة في ارتفاع مساهمة قطاعات مثل التصنيع، والخدمات المهنية، وتكنولوجيا المعلومات، واللوجستيات، في الناتج المحلي الإجمالي.
على سبيل المثال، توطين تصنيع المعدات وقطع الغيار في قطاعات الطاقة أو البتروكيماويات يعني أن جزءًا كبيرًا من قيمة المشاريع يُسجَّل داخل الاقتصاد الوطني، بدل أن يظهر فقط في بند الواردات. بالمثل، توطين الخدمات الهندسية والاستشارية والتقنية يزيد من وزن قطاع الخدمات عالية القيمة في الناتج، ويخلق قطاعات تصديرية جديدة يمكن أن تخدم أسواق المنطقة والعالم.
كما يدفع المحتوى المحلي الشركات الوطنية إلى الابتكار وتطوير منتجات وخدمات ذات جودة تنافسية، حتى تحافظ على حصتها في العقود والبرامج الوطنية. هذا الابتكار يشكل قاعدة لاقتصاد معرفي يعتمد على البحث والتطوير وريادة الأعمال، وليس فقط على استيراد الحلول الجاهزة.
تأثير المحتوى المحلي على سلاسل الإمداد والاستقلالية الاقتصادية
أحد أهم آثار المحتوى المحلي هو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد من الاعتماد المفرط على الموردين الخارجيين إلى بناء شبكة أوسع من الموردين المحليين في مختلف مراحل السلسلة. هذا يعني أن المشروعات الكبرى في الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة، والتقنية، تصبح أقل تعرضًا لمخاطر الانقطاعات العالمية في النقل أو الإنتاج أو القيود التجارية.
كلما كانت نسبة أكبر من المكونات والخدمات تُنتَج داخل المملكة، زادت قدرة الاقتصاد على الاستمرار في العمل حتى في حالات الأزمات الدولية، مثل اضطرابات سلاسل الشحن أو الأزمات الجيوسياسية أو القيود على التصدير. هذه «المرونة» في سلاسل الإمداد تصبح عنصرًا رئيسيًا في الاستقلالية الاقتصادية والأمن الصناعي والتقني.
من جهة أخرى، تشجيع المحتوى المحلي يدفع الشركات العالمية التي ترغب في الدخول للسوق السعودي إلى إنشاء مصانع وشركات مشتركة ومراكز خدمة داخل المملكة بدل الاكتفاء بالتصدير. هذا يعزز توطين المعرفة والتقنيات، وينقل أجزاء من سلاسل القيمة المتقدمة إلى الداخل، مثل التجميع النهائي، أو التصنيع المتقدم، أو مراكز الصيانة المتخصصة.
اقرأ أيضًا :
“أثر المحتوى المحلي في تعزيز متانة سلاسل الإمداد” … جلسة في منتدى المحتوى المحلي
جذب الاستثمارات طويلة الأجل
سياسات المحتوى المحلي الواضحة والمستقرة ترسل إشارة قوية للمستثمرين المحليين والأجانب بأن السوق السعودي ليس فقط سوق استهلاك، بل سوق إنتاج وتصنيع وتطوير. عندما تُربَط الفرص الحكومية والمشاريع الكبرى بمستويات محددة من المحتوى المحلي، يصبح من المنطقي للشركات العالمية أن تستثمر في خطوط إنتاج ومراكز بحث وتطوير داخل المملكة لضمان استمرارية حضورها.
هذا النوع من الاستثمارات يكون غالبًا طويل الأجل، لأنه يتطلب إنشاء مصانع، وتدريب كوادر، وبناء شبكة موردين محليين. في المقابل، تحصل هذه الشركات على سوق كبير ومستقر، وفرص للدخول في مشاريع استراتيجية، وإمكانية استخدام المملكة كقاعدة للتصدير الإقليمي والدولي. بذلك يتحول المحتوى المحلي إلى بوابة لجذب استثمارات نوعية، وليس فقط رؤوس أموال قصيرة الأجل.
كما تُسهم بيئة المحتوى المحلي في خلق شراكات عميقة بين المستثمر الأجنبي والشركات الوطنية، من خلال اتفاقيات التصنيع المشترك، ونقل التقنية، وبناء القدرات المحلية. هذه الشراكات تجعل المستثمر الأجنبي أكثر ارتباطًا بالاقتصاد المحلي وأقل ميلاً للخروج السريع، ما يعزز استقرار التدفقات الاستثمارية على المدى الطويل.
الأبعاد الرئيسية للمحتوى المحلي

الأبعاد الرئيسية للمحتوى المحلي تمثل زوايا متكاملة لبناء اقتصاد سعودي قوي ومتوازن، وليست مجرد أرقام في العقود أو التقارير. كل بُعد منها يعالج جزءًا أساسيًا من سلسلة خلق القيمة داخل المملكة: من المصنع، إلى الإنسان، إلى التقنية والابتكار.
البعد الصناعي والإنتاجي
يركّز هذا البُعد على زيادة ما يُنتج فعليًا داخل السعودية من سلع وخدمات، بدل الاعتماد على الاستيراد في كل شيء. يشمل ذلك دعم المصانع الوطنية القائمة، واستقطاب استثمارات جديدة للتصنيع المحلي في قطاعات مثل الطاقة والبتروكيماويات، والصناعات التحويلية، والأغذية، والأدوية، ومواد البناء، وغيرها.
يتجلى دعم المحتوى المحلي صناعيًا في سياسات تفضيل المنتج الوطني في المشتريات الحكومية، وتشجيع الشركات الكبرى على الاعتماد على موردين محليين في سلاسل الإمداد. عندما يُشترط في العقود أن تكون نسبة معينة من المكونات أو الخدمات محلية، تبدأ المصانع الوطنية بالتوسع، وتنشأ خطوط إنتاج جديدة لتلبية الطلب.
كما يشمل البعد الإنتاجي تطوير خدمات مساندة ذات قيمة مضافة عالية، مثل الخدمات اللوجستية، والصيانة، والهندسة، والاستشارات الفنية. هذه الخدمات، حين تُقدَّم من شركات وطنية، تضيف طبقات جديدة من القيمة المضافة المحلية حول المصنع أو المشروع، فتتحول المدينة أو المنطقة إلى «عنقود صناعي» مرتبط بسلسلة من الموردين المحليين المتخصصين.
البعد البشري
لا يمكن تحقيق محتوى محلي حقيقي دون كوادر وطنية مؤهلة وقادرة على قيادة وتشغيل المشروعات. البعد البشري يركز على تمكين السعوديين في كل حلقات سلسلة القيمة: من العمالة الفنية والمهنية، إلى المهندسين والخبراء، وحتى القيادات التنفيذية وصنّاع القرار.
يتطلب هذا البعد الاستثمار في التعليم والتدريب المستمر، وربط مخرجات الجامعات والمعاهد التقنية باحتياجات القطاعات المستهدفة بالمحتوى المحلي. كل وظيفة تُستبدل فيها عمالة وافدة بكادر وطني مدرَّب، ترفع نسبة المحتوى المحلي في المشروع، وفي الوقت نفسه تعزز الاستقرار الاجتماعي وترفع مستوى الدخل والمهارة داخل المجتمع.
كما يشمل البعد البشري نقل المعرفة من الشركاء والخبراء العالميين إلى الكفاءات الوطنية. يتم ذلك عبر برامج التدرّب على رأس العمل، والتوأمة بين الشركات، والابتعاث المرتبط بحاجات القطاعات، ومشاريع البحث والتطوير المشتركة. الهدف ليس فقط توظيف السعوديين، بل تمكينهم من امتلاك المعرفة والمهارات العالية التي تجعلهم قادرين على الابتكار وقيادة التطوير مستقبلاً.
البعد التقني
البعد التقني هو المحرك الذي ينقل الاقتصاد من الاكتفاء بتجميع أو استهلاك التقنية المستوردة إلى تطوير حلول وتقنيات محلية. يبدأ ذلك بفرض متطلبات لتوطين التقنية في العقود الكبرى، مثل إنشاء مراكز أبحاث وتطوير داخل المملكة، أو نقل خطوط إنتاج تكنولوجية، أو اشتراط نقل الملكية الفكرية لبعض التقنيات خلال فترة زمنية محددة.
يشجع هذا البعد الشركات على تطوير برمجيات وأنظمة وتحليلات بيانات ومنصات رقمية داخل السعودية، بدل الاعتماد الكامل على أنظمة خارجية. عندما تُبنى هذه الحلول محليًا، تكون أقرب لاحتياجات السوق، وأكثر قدرة على التطوير والتعديل، وتوفر فرصًا واسعة لرواد الأعمال في مجالات التقنية والابتكار.
يرتبط البعد التقني أيضًا بدعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة التقنية، من خلال الحاضنات، والمسرّعات، وصناديق الاستثمار الجريء، وبرامج الشراء من الشركات الناشئة. كل مشروع حكومي أو خاص يعتمد على حلول ابتكارية محلية، يرفع المحتوى المحلي التقني، ويخلق نواة لشركات يمكن أن تتوسع لاحقًا للأسواق الإقليمية والعالمية.
بهذه الأبعاد الثلاثة – الصناعي، والبشري، والتقني – يتحول المحتوى المحلي من مفهوم نظري إلى مشروع تنموي متكامل يعمّق الإنتاج داخل المملكة، ويرتقي بالإنسان، ويؤسس لاقتصاد معرفي تنافسي.
الأطر التنظيمية والسياسات الحكومية
الأطر التنظيمية والسياسات الحكومية للمحتوى المحلي في السعودية أصبحت نظامًا متكاملًا يربط بين الأنظمة، واللوائح، وآليات التفضيل في العقود الحكومية والشركات التي تملك فيها الدولة حصصًا مؤثرة. هذا الإطار لا يكتفي بالتشجيع، بل يحوّل المحتوى المحلي إلى متطلب نظامي يؤثر مباشرة في ترسية المنافسات وفرص القطاع الخاص.
الأنظمة واللوائح التي تعزز المحتوى المحلي
صدر تنظيم هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية ليمنحها مهمة وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط الخاصة بتنمية المحتوى المحلي والارتقاء بالمشتريات الحكومية، واقتراح الأنظمة واللوائح ذات الصلة ورفعها للاعتماد. تتولى الهيئة كذلك اقتراح متطلبات ومستهدفات المحتوى المحلي وآليات ومعايير ومؤشرات قياسه، بما يضمن أن تُدرج هذه المتطلبات في أنظمة المشتريات والعقود الحكومية بشكل واضح.
كما أُقرت «لائحة تفضيل المحتوى المحلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية والشركات المدرجة في السوق المالية في الأعمال والمشتريات»، والتي تُطبق على جميع الجهات الحكومية الخاضعة لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية. هذه اللائحة تعرّف نسبة المحتوى المحلي، ونسبة المحتوى المستهدفة، والحد الأدنى للمحتوى المحلي، والخطة التدرجية للمحتوى المحلي التي يلتزم بها المتعاقد خلال تنفيذ العقد.
تتضمن اللائحة آليات عملية مثل «القائمة الإلزامية للمنتجات الوطنية» التي تُصدرها الهيئة، والتي توجب على الجهات الحكومية شراء منتجات محددة من المصنعين الوطنيين عند توافرها بالمواصفات المطلوبة. كما تنص على منح المنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية تفضيلًا سعريًا يصل إلى 10% في بعض العقود، لتمكينها من المنافسة في الأعمال الحكومية.
سياسات تفضيل المحتوى المحلي في العقود الحكومية
تطبّق سياسات تفضيل المحتوى المحلي من خلال آليات تقييم العروض في المنافسات الحكومية، حيث يُخصَّص وزن للمحتوى المحلي ضمن التقييم المالي، إضافة إلى وزن السعر. في العقود عالية القيمة، قد يصل وزن المحتوى المحلي والشركات المدرجة في السوق المالية إلى 40% من التقييم المالي، مقابل 60% للسعر، ما يعطي أفضلية واضحة للعارضين ذوي المساهمة الأعلى في المحتوى المحلي.
تلزم اللائحة المتنافسين بتحديد نسبة المحتوى المحلي المستهدفة في عروضهم الفنية، وتنص على استبعاد العروض التي لا تُدرج هذه النسبة عند تطبيق آليات معيّنة مثل وزن المحتوى المحلي أو الحد الأدنى المطلوب. كما توجب إعداد خطة تدرجية للمحتوى المحلي توضح كيف سيرتفع المحتوى المحلي خلال مراحل تنفيذ العقد، مع وجود نماذج وتحديثات دورية لمتابعة الالتزام.
هذه السياسات تجعل المحتوى المحلي عنصرًا حاسمًا في ترسية العقود، فكلما زادت مساهمة المواد المحلية والعمالة الوطنية والخدمات والأصول والتقنيات السعودية في تنفيذ العقد، زادت فرصة المتنافس في الفوز بالمنافسة. وبذلك تنتقل المنافسة من كونها مبنية على السعر فقط، إلى مزيج من السعر والقيمة الاقتصادية المضافة داخل المملكة.
دور الشركات التي تمتلك فيها الدولة حصة مؤثرة
لا يقتصر تفضيل المحتوى المحلي على الجهات الحكومية المباشرة، بل يمتد إلى الشركات التي تمتلك فيها الدولة حصة مؤثرة، حيث تُشجَّع هذه الشركات على تبني سياسات مشابهة في مشترياتها وعقودها. تُعتبر هذه الشركات رافعة رئيسية لتوطين سلاسل الإمداد، نظرًا لحجم إنفاقها الكبير في قطاعات مثل الطاقة والصناعة والاتصالات.
تقوم تلك الشركات مثل سابك بوضع برامج خاصة لرفع المحتوى المحلي في عقودها، مثل اشتراط نسب معينة للمحتوى المحلي، وإنشاء قوائم مورّدين محليين، وبرامج لتطوير وتأهيل الموردين الوطنيين فنيًا وإداريًا. كما تُستخدم شهادات المحتوى المحلي وتقارير القياس كأدوات لمتابعة تقدم هذه الشركات في تحقيق مستهدفات التوطين والتصنيع المحلي.
أثر هذه السياسات على القطاع الخاص
سياسات التفضيل تغير سلوك القطاع الخاص في اتجاه الاستثمار في الإنتاج والتوطين بدل الاعتماد على الاستيراد وإعادة البيع فقط. الشركات التي ترغب في الفوز بالعقود الحكومية أو عقود الشركات الكبرى تضطر لزيادة نسبة المحتوى المحلي في عملياتها عبر فتح مصانع، أو التعاقد مع مورّدين محليين، أو توظيف وتدريب كوادر وطنية.
كما تمنح اللائحة مزايا تنافسية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية من خلال التفضيل السعري والقوائم الإلزامية، ما يفتح أمامها فرصًا أكبر للدخول في سلاسل الإمداد الحكومية والاستراتيجية. هذا يؤدي إلى توسيع قاعدة الموردين الوطنيين، ورفع قدراتهم، وتحفيز الابتكار والتخصص في مجالات ذات طلب مستقر طويل الأجل.
دور المشتريات الحكومية والشركات الكبرى
المشتريات الحكومية والشركات الوطنية الكبرى هي المحرك العملي الأهم لرفع نسب المحتوى المحلي في الاقتصاد السعودي، لأنها تمثل أكبر قوة شرائية في السوق ويمكن عبرها توجيه مليارات الريالات نحو المصانع والخدمات والكوادر الوطنية بدل تسربها للخارج.
المشتريات الحكومية كأداة لرفع المحتوى المحلي
النظام الجديد للمنافسات والمشتريات الحكومية، ولائحة تفضيل المحتوى المحلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، حوّلا العقود الحكومية من مجرد أداة للحصول على أقل سعر إلى أداة تنموية لزيادة المحتوى المحلي. تُلزم اللائحة الجهات الحكومية بتطبيق آليات محددة مثل وزن المحتوى المحلي في التقييم المالي، والقوائم الإلزامية للمنتجات الوطنية، والتفضيل السعري للمنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية.
عند طرح المنافسات عبر منصة «اعتماد»، تُدرج متطلبات ونسب مستهدفة للمحتوى المحلي، ويُقيَّم العارضون بناءً على قدرتهم على تحقيق هذه النسب بالإضافة إلى السعر. وصلت نسبة تطبيق آليات وسياسات المحتوى المحلي في قيمة المنافسات الحكومية المطروحة التي تتضمن هذه الآليات إلى أكثر من 90% من إجمالي القيمة في السنوات الأخيرة، ما يعني أن معظم العقود الحكومية اليوم مرتبطة بشكل مباشر برفع المحتوى المحلي.
تلزم اللائحة المتعاقدين بتقديم «خطة تدرّجية للمحتوى المحلي» تبين كيفية تحويل النسبة المستهدفة إلى خطوات عملية، مثل زيادة شراء المواد من مصانع وطنية، أو إحلال عمالة وطنية، أو استخدام خدمات محلية في الصيانة والهندسة واللوجستيات. وتُراقَب هذه الخطة خلال تنفيذ العقد، ويُؤثّر مستوى الالتزام بها في تقييم المتعاقد وفرصه للفوز بعقود مستقبلية.
هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية تقوم بمراجعة المنافسات الحكومية للتأكد من تضمين آليات المحتوى المحلي وتطبيقها، كما تستخدم المشتريات الحكومية لتمرير أساليب جديدة مثل الشراء المشروط بتوطين الصناعة ونقل المعرفة. وقد ساهمت هذه الجهود في رفع قيمة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية المرساة إلى عشرات المليارات من الريالات، بنسبة نمو تفوق 100% خلال بضع سنوات.
أثر سياسات الشراء الحكومية على القطاع الخاص
هذه السياسات تدفع شركات القطاع الخاص التي ترغب في الفوز بالعقود الحكومية إلى إعادة هيكلة نماذج أعمالها، والانتقال من الاستيراد وإعادة البيع إلى التصنيع والخدمات المحلية. ولتحقيق نسب محتوى محلي أعلى، تستثمر الشركات في إنشاء مصانع داخل المملكة، وبناء شراكات مع مورّدين محليين، وتوظيف وتدريب كوادر سعودية، وبالتالي تتوسع القاعدة الإنتاجية الوطنية.
كما يستفيد قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة من التفضيل السعري والقوائم الإلزامية للمنتجات الوطنية، ما يمنحه قدرة أكبر على دخول المنافسات التي كانت تُحتكر سابقًا من شركات كبيرة أو مورّدين أجانب. هذا يخلق سلاسل إمداد أوسع وأعمق تعتمد على مورّدين محليين متعددين، ويزيد تنافسية وجودة المنتجات والخدمات الوطنية مع مرور الوقت.
دور الشركات الوطنية الكبرى في توطين سلاسل الإمداد
إلى جانب المشتريات الحكومية المباشرة، تلعب الشركات الوطنية الكبرى – مثل أرامكو السعودية وسابك وstc وغيرها – دورًا حاسمًا في رفع المحتوى المحلي عبر برامجها وسلاسل إمدادها الضخمة. هذه الشركات، بحكم حجم إنفاقها الرأسمالي والتشغيلي، تُعدُّ سوقًا ضخمة للموردين، وعندما تشترط نسبًا مرتفعة من المحتوى المحلي، فإنها تحفز مئات الشركات على التوطين والاستثمار داخل المملكة.
أرامكو السعودية تعد مثالًا بارزًا من خلال برنامج «اكتفاء» الذي يستهدف رفع نسبة المحتوى المحلي في قطاع التوريد إلى مستويات عالية عبر توطين السلع والخدمات التي تشتريها الشركة، وربط ترسية العقود بأداء الموردين في المحتوى المحلي. هذا البرنامج شجع شركات عالمية على إنشاء مصانع ومراكز خدمة داخل المملكة، وأثبت أهميته في الأزمات عندما مكّن توفر مواد ومعدات وخدمات محلية الشركة من استعادة تشغيل منشآتها بسرعة قياسية بعد أحداث بقيق وخريص.
سابك من جانبها تعمل على تطوير سلسلة إمداد متكاملة تتماشى مع الخطط الوطنية عبر التعاون مع أرامكو السعودية وتوسيع قدرات التصنيع والخدمات اللوجستية في المواقع الرئيسة داخل المملكة. كما تركز على توطين الموردين وتطوير قدراتهم بما يعزز استدامة القطاع الصناعي الكيميائي والبتروكيماوي ويزيد القيمة المضافة المحلية.
في قطاع الاتصالات والتقنية، تطبق شركات مثل stc برامج لتوطين الخدمات التقنية، وإنشاء مراكز بيانات وحلول رقمية داخل المملكة، وربط جزء من تعاقداتها مع الموردين بتحقيق نسب محددة من المحتوى المحلي في البرمجيات والخدمات والكوادر العاملة. هذه البرامج تفتح المجال أمام شركات تقنية ناشئة ومحلية للدخول في سلاسل الإمداد وتقديم حلول ابتكارية.
بناء قدرات الموردين المحليين
الشركات الكبرى لا تكتفي بوضع اشتراطات محتوى محلي، بل تطلق برامج متخصصة لبناء قدرات الموردين المحليين فنيًا وإدارياً وماليًا، حتى يتمكنوا من تلبية متطلبات الجودة والكمية في العقود الكبرى. تشمل هذه البرامج التدريب، ونقل المعرفة الفنية، والمساعدة في تطبيق معايير الجودة والسلامة، وأحيانًا الدعم في الوصول للتمويل والاستثمار في خطوط إنتاج جديدة.
كذلك يتم إنشاء مبادرات على مستوى الدولة مثل برنامج «توطين» للصندوق الصناعي، الذي يهدف إلى استبدال المنتجات المستوردة بمنتجات مصنّعة محليًا من خلال تمويل وتسهيل استثمارات في سلاسل الإمداد المستهدفة. وعندما تتكامل هذه البرامج مع طلب حقيقي من المشتريات الحكومية والشركات الكبرى، تتشكل منظومة قادرة على رفع المحتوى المحلي بشكل مستدام، وليست مجرد مبادرات مؤقتة.
المحتوى المحلي ورؤية السعودية 2030
يرتبط المحتوى المحلي بـ «رؤية السعودية 2030» ارتباطًا جوهريًا؛ فهو ليس مجرد مبادرة اقتصادية، بل يُعدّ إحدى الأدوات التنفيذية الرئيسية التي تترجم الأهداف الاستراتيجية الكبرى للرؤية إلى واقع عملي قابل للقياس، خاصة ضمن ركيزة الاقتصاد المزدهر. ولهذا الغرض، تضمنت برامج تحقيق الرؤية مستهدفات واضحة لزيادة نسبة المحتوى المحلي لتكون رافعة لتحقيق التنويع الاقتصادي والاعتماد على الذات.
1. تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط:
يعمل المحتوى المحلي بشكل مباشر على رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وهو هدف محوري في الرؤية. عندما يُوجَّه الإنفاق نحو الإنتاج المحلي، ترتفع القيمة المضافة لقطاعات مثل التصنيع، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الهندسية، مما يقلل من حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط، ويُسهم في رفع نسبة المحتوى المحلي في الاقتصاد الوطني ككل.
2. تمكين القطاع الخاص ليكون محركًا للتنمية:
تهدف الرؤية إلى رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65%. وتُعد سياسات المحتوى المحلي محفزًا رئيسيًا لتحقيق ذلك، حيث تفتح أمامه أسواقًا جديدة في العقود الحكومية وعقود الشركات الكبرى. هذا التحفيز يُشجع المنشآت الوطنية على الاستثمار في تطوير قدراتها الإنتاجية والمعرفية، وتحسين جودة خدماتها، وتوظيف المزيد من الكوادر الوطنية، مما يحول القطاع الخاص من مستهلك إلى مُنتِج ومطور للتقنية.
3. توطين الصناعات والخدمات المعرفية:
يرتبط المحتوى المحلي مباشرة بـ «برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية» (ندلب). حيث تُستخدَم متطلبات المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية لتوطين صناعات حساسة وذات قيمة مضافة عالية، مثل الصناعات العسكرية، والمعدات الطبية، والتقنيات الرقمية. هذا التوطين لا يعزز فقط الأمن الصناعي للمملكة، بل يضمن بناء قاعدة معرفية تقنية قادرة على المنافسة محليًا وعالميًا، ويخلق فرصًا وظيفية عالية المهارة للشباب السعودي.
المبادرات الوطنية والمنتديات والبرامج لتعزيز المحتوى المحلي
لتحويل متطلبات المحتوى المحلي إلى واقع تنفيذي، أُطلقت منظومة متكاملة من البرامج والمبادرات على مستوى الدولة والشركات الكبرى، تهدف إلى توحيد الجهود وتحفيز الاستثمار في التوطين.
| المبادرة / البرنامج | الجهة القيادية | الهدف الرئيسي والآلية | أمثلة مختصرة على النتائج |
| برنامج تنمية المحتوى المحلي في صندوق الاستثمارات العامة | صندوق الاستثمارات العامة (PIF) | يهدف لرفع مساهمة الصندوق وشركاته التابعة في المحتوى المحلي إلى 60% بنهاية عام 2025. ويتم ذلك من خلال منح الأولوية للموردين بناءً على حجم مساهمتهم المحلية في جميع مراحل المشروع. | منح الصندوق وشركاته التابعة عقوداً للقطاع الخاص المحلي بقيمة 140 مليار ريال في عام 2021 لدعم مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي. |
| برنامج اكتفاء (iktva) | أرامكو السعودية | يستهدف رفع نسبة المحتوى المحلي في قطاع التوريد المرتبط بأرامكو، ويشجع الموردين العالميين على إنشاء مصانع ومراكز خدمات داخل المملكة، وربط ترسية العقود بأداء الموردين في المحتوى المحلي. | ساهم في توطين الآلاف من المنتجات والخدمات، ورفع نسبة المحتوى المحلي في قطاع التوريد لدى أرامكو إلى مستويات عالية، مما عزز مرونة الشركة خلال الأزمات. |
| برنامج “صُنع في السعودية” | هيئة تنمية الصادرات السعودية | يهدف إلى تشجيع المستهلكين محليًا على شراء المنتجات الوطنية، ويدعم الشركات السعودية على التصدير. وتم إطلاق “الفئة الذهبية” بالتعاون مع هيئة المحتوى المحلي لربط المنتجات الوطنية بسياسات التفضيل الحكومي. | ساهم في تعزيز الهوية الوطنية للمنتجات السعودية، وخلق فرص تصديرية جديدة لها في الأسواق الإقليمية والدولية. |
| جائزة المحتوى المحلي | هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية | تهدف إلى تكريم وتحفيز المساهمين المتميزين في تنمية المحتوى المحلي من القطاعين العام والخاص وغير الربحي والأفراد. | أسهمت سياسات المحتوى المحلي في رفع نسبته في المشتريات الحكومية من 28% (2018) إلى 47%، كما ارتفع إنفاق الشركات المملوكة للدولة إلى 50.7% في عام 2023. |
| مبادرة شراكات المحتوى المحلي | هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية | تهدف إلى بناء مجلس تنسيقي يضم كبرى الشركات الوطنية (مثل سابك وstc) لتوحيد جهودها في تنمية المحتوى المحلي عبر سلاسل إمدادها الضخمة. | تم توحيد جهود أكثر من 45 جهة، ما ساعد في خلق فرص استثمارية لتوطين الصناعة ونقل المعرفة بشكل جماعي بدلاً من الجهود الفردية. |
بهذه المبادرات، يتحول المحتوى المحلي من مجرد هدف نظري إلى منظومة محوكمة مدعومة بآليات تمويل وشراء وشراكات استراتيجية، مما يضمن تحقيق مستهدفات رؤية 2030 نحو اقتصاد متنوع ومستدام.
أثر المحتوى المحلي على المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs)
تُعد المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs) الشريان الحيوي الذي يضخ المحتوى المحلي في شرايين الاقتصاد السعودي. فالتركيز على التوطين يتجاوز الشركات الكبرى إلى بناء قاعدة قوية من الموردين والخدمات المحلية القادرة على الابتكار والتخصص، وهنا يأتي دور هذه المنشآت كـ حجر زاوية في تحقيق مرونة الاقتصاد.

1. دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في سد فجوات سلاسل الإمداد
تلعب المنشآت الصغيرة والمتوسطة دورًا تكامليًا لا غنى عنه في سلاسل القيمة المضافة لعدة أسباب:
- تخصصية المكونات والخدمات: نادرًا ما تستطيع الشركات الكبرى توفير كل مكونات المشروع أو الخدمة الكبرى داخليًا. هنا تتدخل المنشآت الصغيرة والمتوسطة لتقديم خدمات متخصصة و مكونات دقيقة (مثل قطع الغيار، الصيانة المتخصصة، الخدمات اللوجستية الداخلية، أو تطوير حلول تقنية وبرمجية مخصصة)، مما يسد فجوات الاستيراد ويقلل من نقاط الضعف في سلسلة الإمداد.
- رفع نسبة المكون المحلي: من خلال التعاقد مع هذه المنشآت، تستطيع الشركات الكبرى تحقيق النسب المستهدفة للمحتوى المحلي المفروضة في العقود الحكومية. فكل منتج أو خدمة تُقدمها منشأة سعودية صغيرة تُسهم مباشرة في رفع النسبة الإجمالية للمشروع.
- المرونة وسرعة الاستجابة: غالبًا ما تتميز المنشآت الصغيرة والمتوسطة بقدرة أكبر على التكيّف السريع مع التغييرات، وتقديم حلول مخصصة أو عاجلة، وهي مرونة مطلوبة بشدة في سلاسل الإمداد سريعة التطور.
- دعم ريادة الأعمال والابتكار: تُعد هذه المنشآت منصات رئيسية لرواد الأعمال، خاصة في القطاع التقني والخدمات المعرفية. فمتطلبات المحتوى المحلي تدفع الشركات الكبرى للبحث عن حلول ابتكارية محلية بدلاً من الاستيراد، مما يفتح فرصًا للمنشآت الناشئة.
2. التحديات التي تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة
رغم الفرص الهائلة التي يوفرها التوجّه نحو المحتوى المحلي، تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحديات هيكلية ومعيارية تعيق دخولها بكامل طاقتها في سلاسل الإمداد الكبرى:
- التمويل: صعوبة الوصول إلى التمويل المناسب لرأس المال العامل أو التمويل الرأسمالي للاستثمار في خطوط إنتاج جديدة أو تقنية متقدمة، لتلبية متطلبات الجودة والكميات في العقود الكبرى.
- الجودة والالتزام بالمعايير: قد تجد بعض المنشآت صعوبة في تلبية المعايير الدولية الصارمة للجودة (مثل شهادات الآيزو) والسلامة التي تطلبها الشركات الكبرى (مثل أرامكو وسابك)، خاصة في القطاعات الصناعية الحساسة.
- القدرات الإدارية والتقنية: تفتقر العديد من المنشآت الصغيرة إلى الخبرات الإدارية الكافية في إدارة العقود الكبيرة، والعمليات اللوجستية المعقدة، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأجل.
- التنافسية السعرية: على الرغم من التفضيل السعري الذي تمنحه اللائحة (حتى 10%)، إلا أن بعض المنتجات المستوردة قد تظل أكثر تنافسية في السعر، مما يتطلب من المنشآت المحلية التركيز على الكفاءة والتخصص لتقليل فجوة التكلفة.
3. الحلول المقترحة والبرامج الداعمة
لمواجهة هذه التحديات وضمان استمرار دور هذه المنشآت في تعميق المحتوى المحلي، قامت الجهات الحكومية والشركات الكبرى بإنشاء منظومة دعم متكاملة:
- التفضيل السعري والتخصيص في المشتريات: نصت لائحة تفضيل المحتوى المحلي على تخصيص نسبة من المشتريات الحكومية لصالح المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومنحها تفضيلاً سعرياً لتمكينها من الفوز بالعقود.
- الدعم التمويلي: لعبت جهات مثل منشآت و صندوق التنمية الصناعية السعودي (SIDF) دورًا محوريًا في تسهيل التمويل بضمانات أقل أو عبر منتجات تمويلية متخصصة لدعم التوسع والتطوير التقني للمنشآت الراغبة في التوطين.
- بناء القدرات والتأهيل (Vendor Development): أطلقت شركات كبرى برامج متخصصة (مثل برنامج تطوير الموردين لدى أرامكو و سابك) لتقديم الدعم الفني والإداري والاستشارات اللازمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، لمساعدتها في الحصول على شهادات الجودة والارتقاء بعملياتها لتلبية معايير العقود الكبرى.
- الرقمنة والربط الإلكتروني: يتم العمل على ربط هذه المنشآت بسلاسل إمداد الشركات الكبرى رقميًا عبر منصات تُسهّل عمليات المنافسة، وتوفر معلومات واضحة عن الفرص الاستثمارية والاحتياجات المستقبلية للتوطين.
بهذه الآليات المتكاملة، يتحول المحتوى المحلي إلى محفز لنمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويضمن أن تكون هذه المنشآت جسرًا حقيقيًا لنقل القيمة المضافة من الإنفاق الحكومي والشركات الكبرى إلى قاعدة الإنتاج الوطني الواسعة.
التحديات التي تواجه تنمية المحتوى المحلي
بالرغم من القفزات النوعية في الأطر التنظيمية وسياسات التفضيل، فإن مسيرة تعميق المحتوى المحلي في المملكة تواجه عددًا من التحديات الهيكلية والتشغيلية التي تتطلب معالجات مستمرة ومستدامة لضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية لرؤية 2030.
1. تحديات الجودة والتنافسية مع المنتجات والخدمات الأجنبية
تظل مسألة التنافسية والجودة هي التحدي الأكبر أمام توطين المنتجات والخدمات:
- فجوة التكلفة والتنافسية السعرية: غالبًا ما تتمتع المنتجات والخدمات المستوردة بـ “اقتصادات الحجم” (Economies of Scale) التي تتيح لها الدخول بأسعار أقل مقارنةً بالمنتجات المحلية التي تكون تكلفة إنتاجها الأولية أعلى بسبب حداثة المصانع أو قلة الخبرة أو ارتفاع التكاليف اللوجستية محليًا. ورغم التفضيل السعري في العقود الحكومية، تحتاج الشركات المحلية للعمل على خفض التكلفة الحقيقية لمنتجاتها.
- معايير الجودة والاعتماد: في القطاعات الحساسة (مثل الطاقة، والدفاع، والصحة)، قد تتطلب المنتجات معايير جودة واعتمادات دولية صارمة. ويواجه عدد من الموردين المحليين صعوبة في تحقيق هذه المعايير أو الحصول على الشهادات المطلوبة في وقت سريع، مما يضطر الشركات الكبرى للاستمرار في الاستيراد من موردين عالميين معتمدين.
- مخاطر التوريد والكميات الكبيرة: يتردد بعض المشترين الكبار في الاعتماد بشكل كامل على المورد المحلي خوفًا من عدم قدرته على توفير الكميات المطلوبة في الوقت المحدد أو المحافظة على استمرارية الإمداد في حال حدوث عطل أو نقص في المواد الخام.
2. تحديات توفر الكفاءات ونقل التقنية
الاستثمار في المحتوى المحلي الصناعي والتقني يتطلب بالضرورة الاستثمار في “البعد البشري والتقني” الذي ورد ذكره سابقًا، وهنا تظهر تحديات رئيسية:
- نقص الكفاءات المتخصصة: بالرغم من توفر كوادر وطنية عالية التعليم، لا يزال هناك نقص في الكفاءات الفنية والمهنية المتخصصة المطلوبة في الصناعات الدقيقة والمتقدمة (مثل هندسة التصنيع، وتطوير البرمجيات المعقدة، وتقنيات التشغيل والصيانة المتقدمة).
- ضعف الربط بين الجامعات والسوق: لا تزال مخرجات التعليم والتدريب المهني في بعض التخصصات لا تتواءم بشكل كامل وسريع مع التغيرات السريعة في متطلبات القطاعات المستهدفة بالتوطين (مثل التقنيات المالية أو التصنيع المضاف). هذا يتطلب جهودًا مستمرة لربط المناهج بالاحتياجات الفعلية لسلاسل الإمداد المتطورة.
- صعوبة توطين التقنية والملكية الفكرية: يتطلب نقل التقنيات المتقدمة من الشركات العالمية إلى المملكة حوافز قوية، وأحيانًا يواجه صعوبة في شروط نقل الملكية الفكرية، أو تكون التقنيات المنقولة هي تقنيات الجيل الأقدم (Legacy Technologies)، وليس أحدث ما توصلت إليه الصناعة.
3. تحديات البيروقراطية والتنفيذ وقياس الأثر
تتعلق هذه التحديات بالجوانب الإجرائية والرقابية على مستوى تطبيق السياسات:
- تحدي توحيد الإجراءات: بالرغم من وجود هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية كجهة منظمة، إلا أن تطبيق آليات المحتوى المحلي قد يواجه تحديات في التوحيد والسرعة عبر جميع الجهات الحكومية أو الشركات التي تمتلك فيها الدولة حصة مؤثرة.
- سرعة تنفيذ البرامج: قد تستغرق برامج تأهيل الموردين أو منح التراخيص والموافقات للمصانع المحلية وقتًا طويلاً، مما يؤدي إلى إبطاء دخول الشركات المحلية في سلاسل الإمداد في وقت تتطلب فيه الرؤية سرعة في الإنجاز.
- قياس الأثر الفعلي: يظل قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي الفعلي لزيادة نسبة المحتوى المحلي تحديًا إحصائيًا. فالمطلوب ليس فقط قياس نسبة المحتوى المحلي في العقد، بل قياس مدى مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وفي خلق الوظائف عالية القيمة، وفي بناء القدرات التقنية والمعرفية على المدى الطويل. ويتطلب هذا تطوير أدوات قياس أكثر دقة وشمولية.
إن معالجة هذه التحديات بشكل مستمر ومحوري يُعد جزءًا أساسيًا من نجاح استراتيجية المحتوى المحلي، ويضمن أن تتحول سياسات التفضيل إلى قوة دافعة للتنافسية والجودة والابتكار بدلاً من أن تكون مجرد حماية مؤقتة للمنتج المحلي.
قياس المحتوى المحلي والمؤشرات
لضمان أن سياسات المحتوى المحلي تحقق أثرها الفعلي وتتحول من مجرد نوايا إلى قيمة اقتصادية مضافة، كان لا بد من وضع إطار محكم للقياس والمحاسبة. ويُعد “مؤشر المحتوى المحلي” الأداة الرئيسية التي تستخدمها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية لقياس الأداء على مستوى العقود والمنشآت.
1. فكرة وضع معايير ومؤشرات لقياس المحتوى المحلي
يقوم قياس المحتوى المحلي على فكرة تجميع القيمة التي تُنفق داخل المملكة في أربع ركائز أساسية، يتم احتسابها كنسبة مئوية من إجمالي الإيرادات أو التكاليف التشغيلية للمنشأة أو المشروع. وهذا المؤشر يضمن الشمولية والحيادية في عملية القياس:
- نسب التوطين (الأيدي العاملة السعودية): وهي قيمة الأجور والبدلات والمكافآت التي تُدفع للكوادر الوطنية كنسبة من إجمالي نفقات الموظفين. هذا البُعد يقيس الأثر الاجتماعي المباشر للاستثمار في الكفاءات السعودية.
- نسبة المشتريات المحلية من السلع والخدمات: وهي قيمة المبالغ المدفوعة لمورّدين سعوديين مقابل سلع أو خدمات تم إنتاجها أو تقديمها داخل المملكة، كنسبة من إجمالي المشتريات. هذا يقيس مدى تعميق سلاسل الإمداد الوطنية.
- نسبة المكونات المحلية في المنتج: وهو قياس للقيمة المُضافة محليًا في إنتاج السلع، ويشمل المواد الخام المحلية، وعمليات التصنيع التي تتم داخل المملكة، ونسبة التجميع النهائي.
- نسبة الأصول الإنتاجية والتقنيات المطورة محليًا: وهي قيمة الاستثمار في الأصول الرأسمالية والمعدات، وقيمة براءات الاختراع والتقنيات والملكية الفكرية التي تم تطويرها أو تملكها الشركات المحلية. هذا يقيس الاستثمار في البُعد التقني والمعرفي.
يتم تجميع هذه الركائز الأربع في معادلة موحدة لإنتاج شهادة المحتوى المحلي، وهي وثيقة رسمية تُصدِرها الهيئة أو جهات معتمدة، وتوضح نسبة المحتوى المحلي للمنشأة. وتُعد هذه الشهادة متطلبًا أساسيًا للدخول في المنافسات الحكومية وعقود الشركات الكبرى.
2. أهمية التقارير الدورية والشفافية
تعد الشفافية والمساءلة جزءًا لا يتجزأ من نجاح برنامج المحتوى المحلي، وتتجسد أهمية التقارير الدورية في الآتي:
- متابعة الالتزام في العقود: في العقود الحكومية، يلتزم المتعاقد بتقديم تقارير دورية حول مدى التزامه بـ “الخطة التدرجية للمحتوى المحلي” التي وافق عليها عند ترسية العقد. وهذا يضمن أن النسبة المستهدفة تتحول إلى خطوات عملية (مثل توظيف عدد محدد من السعوديين أو التعاقد مع عدد من الموردين المحليين)، ويتم محاسبته بناءً على التقدم المحقق.
- تحليل الأثر وتعديل السياسات: تمكّن التقارير الدورية الهيئة وصنّاع القرار من تحليل أداء القطاعات المختلفة في استيعاب المحتوى المحلي، وتحديد الفجوات التي لا تزال تعتمد على الاستيراد، مما يساعد في توجيه المبادرات التمويلية والتنظيمية المستقبلية لدعم قطاعات بعينها.
- تعزيز الثقة في المنتج الوطني: تساهم الشفافية في قياس المحتوى المحلي في بناء الثقة لدى المشترين والقطاع الخاص في المنتج الوطني، وتوفر مؤشرًا موثوقًا للمستثمرين حول جدوى الاستثمار في قطاعات التوطين.
- المساءلة العامة: إن نشر التقارير الإجمالية لتقدم المملكة في رفع المحتوى المحلي (مثل نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية) يمثل أداة للمساءلة أمام المجتمع، ويؤكد على أن الموارد والإنفاق العام موجهة بشكل فعال نحو بناء اقتصاد وطني مستدام.
بهذا الإطار المنهجي للقياس، يتم ضمان أن المحتوى المحلي لا يبقى مجرد مفهوم نظري، بل يتحول إلى مؤشر أداء رئيسي (KPI) يُقاس ويُرصد ويؤثر مباشرة في قرارات الإنفاق والاستثمار على مستوى الدولة والقطاع الخاص.
دور التحول الرقمي والابتكار
يُعد التحول الرقمي ليس مجرد هدف في حد ذاته، بل هو رافعة حاسمة لتمكين المحتوى المحلي. فالتقنية الحديثة توفر الأدوات اللازمة لرفع الكفاءة وخفض التكلفة، مما يجعل المنتج الوطني أكثر تنافسية في مواجهة الواردات الأجنبية، ويدعم البعد التقني والمعرفي للمحتوى المحلي الذي تم التأكيد عليه في المقالة.
1. كيف تدعم التقنيات الحديثة نمو المحتوى المحلي
تدعم التقنيات الحديثة (مثل التحول الرقمي، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي) المحتوى المحلي عبر مسارين رئيسيين: رفع التنافسية و توطين المعرفة.
| التقنية | آلية دعم المحتوى المحلي | الأثر على التوطين |
| الأتمتة والروبوتات (Automation) | تخفيض تكاليف العمالة غير الماهرة وزيادة كفاءة خطوط الإنتاج، مما يقلل الفجوة السعرية مع المنتجات المستوردة. | تمكين المصانع المحلية من تحقيق جودة عالمية بتكلفة منافسة، ودعم الحاجة لكفاءات سعودية متخصصة في التشغيل والصيانة التقنية. |
| الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات | تحسين عمليات التخطيط لسلاسل الإمداد، وتوقع طلبات السوق، وتقليل الهدر والمخزون، وتحسين جودة المنتج من خلال التنبؤ بالأعطال. | بناء خدمات استشارية وتقنية محلية ذات قيمة مضافة عالية في مجالات تحليل البيانات والحلول السحابية، مما يرفع المحتوى المحلي المعرفي. |
| التصنيع المضاف (3D Printing) | تمكين الإنتاج السريع لقطع الغيار والمكونات المتخصصة بكميات صغيرة عند الطلب، بدلاً من استيرادها بكميات كبيرة. | توطين سريع لإنتاج قطع الغيار الدقيقة والصناعات الهندسية، مما يعزز مرونة سلاسل الإمداد السعودية. |
| المنصات السحابية والحلول الرقمية | تيسير الأعمال وتقديم حلول تقنية وطنية بتكلفة أقل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من الاعتماد على برمجيات وأنظمة عالمية مكلفة. | زيادة المحتوى المحلي في قطاع تكنولوجيا المعلومات وتمكين الشركات الناشئة التقنية من الدخول في سلاسل الإمداد الكبرى. |
2. أمثلة على حلول تقنية ومنصات رقمية داعمة
أدى التحول الرقمي في القطاع الحكومي والشركات الكبرى إلى ظهور منصات متخصصة أصبحت بمثابة العمود الفقري لربط الفرص بالموردين المحليين، أبرزها:
- منصة “اعتماد” الحكومية: تعدّ المنصة الرقمية الرئيسية التي تُطرح من خلالها جميع المنافسات والمشتريات الحكومية. دورها في المحتوى المحلي جوهري، حيث تضمن أن يتم إدراج متطلبات المحتوى المحلي ونسب التفضيل السعري للمنتج الوطني في كل منافسة بشكل إلزامي ومحوسب، وتسهّل على الموردين المحليين الاطلاع على هذه الفرص.
- برامج الشراء من الموردين (Supplier Portals) للشركات الكبرى: تستخدم شركات مثل أرامكو السعودية وسابك منصات رقمية متخصصة للتسجيل والتأهيل والتعاقد مع الموردين. هذه المنصات تُدمج مؤشرات المحتوى المحلي ضمن عملية تقييم الموردين وتأهيلهم، وتوفر الشفافية حول الفرص المتاحة للتوطين (Localization Opportunities).
- المراكز الرقمية لتوحيد الموردين: تطلق هيئة المحتوى المحلي مبادرات لإنشاء قواعد بيانات ومعايير موحدة للمنتجات الوطنية، مما يقلل من البيروقراطية ويضمن أن يتمتع المورد المحلي بـ “هوية رقمية موحدة” تسهل عليه المشاركة في جميع المنافسات دون الحاجة لإعادة التقييم في كل مرة.
في الختام، يُمكن القول إن التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا لنجاح المحتوى المحلي. فهو يضمن أن يكون المنتج الوطني متوافقًا مع معايير الجودة العالمية، وبتكلفة تنافسية، ويجعل المملكة مركزًا لتوطين التقنيات بدلاً من مجرد استهلاكها.
قصص نجاح وتجارب عملية
أثبتت التجربة السعودية أن سياسات المحتوى المحلي ليست مجرد نظريات اقتصادية، بل هي محفزات قوية للنمو عند تطبيقها بفعالية. وقد سجلت قطاعات وشركات كبرى نجاحات ملموسة أسهمت في تعميق قاعدة الإنتاج الوطني.
1. استعراض مختصر لحالات نجاح بارزة
- قطاع الطاقة (برنامج اكتفاء – أرامكو السعودية):
يُعد برنامج اكتفاء أحد أبرز قصص النجاح، حيث استهدف توطين سلاسل الإمداد لشركة أرامكو بشكل منهجي. النجاح العملي: نجح البرنامج في جذب استثمارات أجنبية مباشرة لإنشاء مصانع داخل المملكة لإنتاج سلع وخدمات كانت تُستورد بالكامل، مثل تصنيع الأنابيب والمعدات النفطية والخدمات الهندسية. وقد ارتفعت نسبة المحتوى المحلي لقطاع التوريد لدى الشركة بشكل ملحوظ، مما عزز مرونتها التشغيلية خلال الأزمات.
- قطاع الدفاع والأمن (الصناعات العسكرية): بعد إنشاء الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI)، تم ربط العقود الدفاعية بنسب توطين إلزامية. النجاح العملي: أدى هذا التوجيه إلى تأسيس شركات متخصصة في تجميع وصناعة أجزاء من أنظمة الدفاع وصيانة الطائرات محليًا. هذا النقل للتقنية لم يخلق فقط وظائف نوعية للسعوديين، بل قلل أيضًا من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية في قطاع بالغ الحساسية.
- المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs) في القطاع التقني: بفضل سياسات التفضيل السعري والتوجيه، تمكنت شركات تقنية سعودية صغيرة من الحصول على عقود في مجالات تطوير البرمجيات والحلول الرقمية من جهات حكومية وشركات كبرى. النجاح العملي: تحولت هذه الشركات الناشئة من تقديم خدمات بسيطة إلى تطوير حلول ابتكارية متكاملة (مثل منصات الحوكمة الإلكترونية أو تحليلات البيانات المتقدمة)، مما أثبت قدرتها على التنافس محليًا.
2. أهم الدروس المستفادة
- القيادة الواضحة والمركزية: كان تأسيس هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية وتوحيد الجهود تحت قيادة الشركات الكبرى (مثل اكتفاء) عاملاً حاسمًا. التشتت يضعف الأثر، بينما التركيز يسرّع التوطين.
- الشراكة طويلة الأجل: النجاح لم يأتِ من فرض شروط قصيرة المدى، بل من بناء شراكات طويلة الأجل بين الشركات الكبرى والموردين المحليين تتضمن تأهيلاً فنياً وتدريبًا (Vendor Development).
- الربط بالإلزام والحافز: الجمع بين إلزام الشركات بحد أدنى من المحتوى المحلي في العقود، ومنح حوافز وتفضيل سعري للموردين المتميزين، هو الوصفة الفعالة لتحفيز التوطين النوعي.
توصيات لتعزيز المحتوى المحلي
لضمان استدامة برنامج المحتوى المحلي وتوسيع أثره ليغطي كل زوايا الاقتصاد، يمكن صياغة التوصيات المستقبلية على محاور ثلاث:
1. توصيات للجهات الحكومية (الهيئة والمشتريات)
- تبسيط الإجراءات ورقمنتها: الاستمرار في رقمنة آليات تطبيق المحتوى المحلي عبر منصات موحدة، وتخفيف المتطلبات البيروقراطية على المنشآت الصغيرة والمتوسطة للحصول على شهادات المحتوى المحلي.
- توسيع نطاق التفضيل: العمل على توسيع نطاق تطبيق آليات تفضيل المحتوى المحلي لتشمل المشاريع التي تتم بالتعهيد (Outsourcing) والامتيازات الممنوحة للقطاع الخاص، وليس فقط المشتريات المباشرة.
- التركيز على القيمة لا الكمية: الانتقال تدريجياً من قياس نسبة المحتوى المحلي في العقد (كمية) إلى قياس جودة ونوعية التوطين (القيمة)، مثل التركيز على توطين التقنيات المتقدمة ووظائف المعرفة.
2. توصيات للقطاع الخاص (الشركات والموردون)
- بناء شراكات استراتيجية طويلة الأجل: على الشركات الكبرى الابتعاد عن نموذج المشتريات قصيرة الأجل، والاستثمار في بناء شراكات طويلة الأمد مع الموردين المحليين، تتضمن التمويل المشترك أو المساعدة في الحصول على شهادات الجودة العالمية.
- الاستثمار في الكوادر الوطنية ونقل التقنية: الالتزام بتوظيف وتدريب الكوادر الوطنية في التخصصات الفنية والتقنية المتقدمة، ووضع خطط تنفيذية لنقل المعرفة والملكية الفكرية من الشركاء الأجانب إلى الكفاءات المحلية.
- رفع التنافسية الذاتية: يجب على الموردين المحليين التركيز على خفض التكلفة ورفع الكفاءة التشغيلية والابتكار، وعدم الاعتماد فقط على آليات التفضيل، لضمان قدرتهم على المنافسة دوليًا على المدى الطويل.
3. توصيات للقطاع التعليمي والبحثي
- مواءمة المخرجات مع احتياجات السوق: تطوير مناهج التعليم والتدريب المهني بالتعاون المباشر مع القطاعات الصناعية والتقنية، لضمان أن الخريجين يمتلكون المهارات الدقيقة المطلوبة في مشاريع التوطين.
- دعم البحث والتطوير التطبيقي: توجيه جهود البحث والتطوير في الجامعات والمراكز البحثية لحل التحديات الصناعية التي تواجهها المصانع والشركات المحلية، مما يحول البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية مضافة ويزيد من المحتوى المحلي التقني.
- إطلاق برامج ابتكارية مشتركة: إنشاء حاضنات أعمال ومسرعات مشتركة بين الجامعات والشركات الكبرى، لتمويل واحتضان الأفكار والشركات الناشئة التي تقدم حلولاً تقنية لسد فجوات سلاسل الإمداد.
الأسئلة الشائعة حول المحتوى المحلي في السعودية (FAQ)
ما هو تعريف المحتوى المحلي في السعودية؟
المحتوى المحلي هو إجمالي ما يُنفق داخل المملكة على الأيدي العاملة السعودية، والمنتجات والخدمات الوطنية، والأصول الإنتاجية، والتقنيات المطورة أو المستخدمة محليًا. جوهر تعريفه هو الإبقاء على أكبر قدر ممكن من الأموال متداولة داخل الاقتصاد السعودي بدل تسربها للخارج.
ما هي الجهة المسؤولة عن تنظيم المحتوى المحلي في المملكة؟
الجهة الرئيسية المسؤولة هي هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية. تتولى الهيئة مهمة وضع السياسات، واقتراح اللوائح، وقياس نسب المحتوى المحلي، وربطها بالمشتريات والعقود الحكومية بشكل نظامي.
ما هي أهمية المحتوى المحلي لرؤية السعودية 2030؟
يُعد المحتوى المحلي الركيزة الاستراتيجية لتحقيق التنويع الاقتصادي، حيث يعمل على خفض الاعتماد على النفط، ورفع مساهمة القطاع الخاص، وتوطين الصناعات والتقنيات ذات القيمة المضافة العالية، مما يعزز المرونة والمناعة الاقتصادية للدولة.
كيف يتم قياس المحتوى المحلي؟
يتم قياسه عبر "مؤشر المحتوى المحلي" الذي يعتمد على أربع ركائز رئيسية: نسبة التوطين (العمالة السعودية)، ونسبة المشتريات المحلية من السلع والخدمات، ونسبة المكونات المحلية في المنتج، ونسبة الأصول الإنتاجية والتقنيات المطورة محليًا. يتم تجميع هذه الركائز في شهادة رسمية.
كيف يتم تفضيل المنتج الوطني في المنافسات الحكومية؟
تُطبق سياسات التفضيل من خلال آليات متعددة في نظام المشتريات الحكومية، أبرزها: تخصيص وزن للمحتوى المحلي في التقييم المالي للعروض، وتطبيق القائمة الإلزامية للمنتجات الوطنية، ومنح تفضيل سعري يصل إلى 10% للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ما هو دور الشركات الوطنية الكبرى (مثل أرامكو وسابك) في المحتوى المحلي؟
تلعب هذه الشركات دور المحرك الأساسي؛ حيث تفرض متطلبات توطين إلزامية في عقودها وبرامجها الضخمة (مثل برنامج اكتفاء)، وتستثمر في تطوير وتأهيل سلاسل إمداد محلية متكاملة، مما يحفز الاستثمار والتصنيع المحلي.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه تطوير المحتوى المحلي؟
تشمل التحديات الرئيسية: الحاجة إلى رفع مستوى الجودة والالتزام بالمعايير العالمية لمنافسة المنتجات المستوردة، وتوفير الكفاءات الفنية المتخصصة، وضمان نقل التقنية الحديثة (الملكية الفكرية)، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية.
في ختام هذا الدليل:
إن مسيرة المحتوى المحلي في السعودية ليست مجرد برنامج اقتصادي عابر، بل هي تعبير عن قرار استراتيجي وطني ببناء اقتصاد مناعي، مرن، وقائم على قدراته الذاتية. لقد نجحت الأطر التنظيمية والمبادرات الحكومية والشركات الكبرى في خلق نظام بيئي متكامل، حيث يُعد الالتزام بالمحتوى المحلي مؤشراً على المساهمة الوطنية. وبينما تستمر التحديات المتعلقة بالجودة ونقل التقنية، فإن دمج الابتكار والتحول الرقمي وتفعيل دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة يضمن تحول المحتوى المحلي إلى قيمة مضافة دائمة ترسخ أهداف رؤية المملكة 2030 لجيل قادم يعتمد على الإنتاج لا الاستهلاك.






















